البتار الشامي
h

مرحبا بك أخي الزائر. نرجوا منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا حتى تستفيد من مطالعة كافة اقسام الموقع وحتى المخفية عنك. إن لم يكن لديك حساب بعد, نتشرف بدعوتك لإنشائه


البتار الشامي

ديني يتكلم عن هموم الأمة الإسلامية
 
الرئيسيةالبوابةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 البنا والألبانى

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فارس الجنان
عضو متألق
عضو متألق


عدد الرسائل : 204
العمر : 46
السٌّمعَة : 1
نقاط : 175
تاريخ التسجيل : 14/11/2008

مُساهمةموضوع: البنا والألبانى   الخميس أكتوبر 01, 2009 3:19 pm

البنا والألباني معا على محجة واحدة في العقيدة والعمل

--------------------------------------------------------------------------------
البنا والألباني معاً.. على محجة واحدة في العقيدة والعمل
بقلم: «أبو مالك»الشيخ محمد إبراهيم شقرة حفظه الله تعالى
تعاونا في الدعوة، ولم يلتقيا، كلٌّ منهما متفوِّقٌ على نفسه، آخذٌ من الآخر ما أعوزه في دعوته، فهما بذلك قِرْنان نبيلان شريفان، ما أحسن أن يكون أتباعهما على أقدامهما في شرف الدعوة، ونبالة المقصد، ورفعة الاستقامة على المنهج.
(1)
نعم؛ لقد صحبتُ البنّا مِن بعد موته، وصحبتُ الألباني في حياته من قبل موته، فسعدتُ بصحبتهما، وأخذتُ من كلٍّ منهما أخذاً بارك اللهُ لي فيه، ولم أبخلْ على أحدٍ ممن كانت لي أو له بي وِصْلةٌ من حبٍّ، ولجتُ بها موالج الخير، مذ يَفَعْتُ، وإلى أن دلفتُ من باب (النهاية) وأشرفتُ منه على مدرجة الفراق، لأصحب من فوقها لِداتي، وأنعَمَ بالأشراف النبلاء من أترابي، ولست عالماً (على أيِّنا تعدو المنيَّة أوَّل)، قرأت سيرة البنّا والألباني، قراءةً متأنِّيةً من علمهما الموهوب، وعملهما المرغوب، فكان لكلٍّ منهما فضلٌ، ذقت من لذته، ونَهَلْت من جابيته، واجتمع إليَّ من كليهما، ما أغناني والحمد لله، عن دعاوى الكذَبةِ المبطلين أتباع أبي مرَّة اللّعين، وما صدَّني عن استراق السمع من وحي الأدعياء الفاسدين المفسدين، فأقول في ملأ وبلا حياءٍ من النّاس: إنّي من إسناد البنّا في أعلاه، ومِن إسناد الألباني في ذروة مبناه، وقمة معناه، وإن كنتُ أرجو أن أكون على مثل هذا النحو، لما أعلم من نفسي أنّ الله سبحانه وفَّقني أن أُلِمَّ من هذا وهذا من غير رؤى مرذولةٍ كاذبة، ولا دعاوى مُزَوَّرةٍ كاسدة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصّالحات.
(2)
وما زلتُ أذكرُ ذلك اليوم الذي عرض عليَّ فيه الأخ الصديق الدكتور عبدالصبور شاهين، من قَبْلِ نَيِّفٍ وخمسين سنةً، أن نزور معاً قبر الإمام الشهيد الشيخ حسن البنّا رحمه الله، فعددتُها يداً بارَّةً للأخ عبدالصبور لن أنساها ما حييت إن شاءَ الله، وكان لقاءٌ بيننا، مَثُلَ فيه الشيخ البنّا رحمه الله أمامنا بكلّ ما فيه من عطاءٍ، وتجلَّتْ فيه مواهبه، تنطق معاً بلسان عربيٍّ مبين، وبصوتٍ واحدٍ: (ومَنْ قُتلَ مظلوماً فقد جعَلْنا لوليِّه سُلطاناً فلا يُسرفْ في القتل إنّه كان منصوراً)، وتملَّكتني حالٌ من الرهبة، والألم، والحزن، والوفاء، منظومة في حبل من الذكرياتِ الشدادِ المؤلماتِ، تتدافع إلى صدري في غمرةٍ من الإشفاقِ على أُمَّةٍ، فَجعَتْ نفسها بإهراق دمِ واحدٍ من أبنائها يَعُدُّه التاريخ العربيُّ واحداً من الدعاة المبدعين، الذين وضعوا معالم الصّلاح والإصلاح، على حوافِّ الطريق التي تسير الأُمة من فوقها، ونشروا الإسلام في كلِّ أرجاء الأرض، وعمروا آفاق الحياة بمعارف الإسلام وثقافته، وأنشأُوا أجيالاً توارثوا الإسلام بعقيدته وشريعته، وفروعه وأُصوله، وردَّ لهذه الأجيال عافيتها في دينها الحقّ الذي بعث الله به نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم، ولم يأْبَهْ بمغريات الدنيا، ولم يَعْيَ بالسَّعي إليها، واللُّغوب من أجلها، وقضى حياته كلَّها في خُلَّة الفقر، وشِدَّة العيش، وأقبل النّاس عليه بالحبِّ، وأغدق عليهم هو مِن حبِّه، ووداده، وأدبه، ورحمته، وحُسن رعايته، ما لم يُعرَف إلا في القِلَّة القليلة من الدعاة الأبرار، والصفوة من العلماء الأخيار، وكان المثل اليُحْتَذَى لكلِّ مَن عرفه وآمن به وصدَّقه، فما لانَتْ له قناة، وما كبَتْ به راحلة، وما أبْطأَتْ به قَدَم، وما قبض يدَه على خير يرى فيه حقّاً عليه للأُمة، وما أمسك لسانه عن أمرٍ بمعروف ولا نهيٍ عن منكر، إلى أن قضى شهيداً أمام باب مقرّ جمعية الشبّان المسلمين بعد فراغه من محاضرة ألقاها فيه، فكان آخر عمله صالحاً، فجمعَ بين الشهادة وبين آخر عملٍ صالح.
وأَبصرتُ بتلكم الأُلوف من مريديه، وتلاميذه، ومحبِّيه وأتباعه، المنتشرين في أرجاء الأرض، وكلُّهم يودُّ لو كان فَدَاه بروحه ودمه، منهم مَن أبصرَ به وعرفه، ومنهم مَن سمع به عن بُعدٍ، وودَّ أن يكون وسارَ في ركابه، وكأنَّ اللهَ سبحانه أبى إلا أن يُكرمه بالشهادة، التي طالما كان يدعو الإخوان المسلمين إليها، ويحضّهم على الحرص عليها، ونالها منهم مَن نالها على ثرى الأرض المقدَّسة، وظلَّتْ أمانيَّ، يبرق سناها في صدورهم فوق كلّ أرضٍ جاهدوا فيها أعداء الله، وتحت كلّ سماء استظلّوا بها، رآها أبناؤُهم وأحفادهم من بعد، وكلّ جيلٍ منهم يمسك بالعهد الذي توارثوه عن الشيخ حسن البنَّا، عملاً دؤوباً، مصبوغاً بلون الدم الأحمر، تفوح منه رائحة المسك، ويَسري فيه قوله تعالى: (وأعدُّوا لهم ما استطَعْتُم من قوَّةٍ ومِن رباطِ الخيل تُرهبونَ به عدوَّ اللهِ وعدوَّكم وآخرينَ مِن دونهم لا تعلمونهم اللهُ يعلمهم)، ويرفعون أصواتهم فوق كلِّ جبل، وعند كل منحىً، وفي كلِّ وادٍ، وأمام كلِّ شاطئ، وفي قلب كلِّ سهلٍ أو بيداء، وعلى أطراف كلِّ صحراء، يذكِّرون النَّاسَ بذروة سنام الإسلام: (والموت في سبيل الله أسمى أمانينا).
(3)
وسمعتُ كما سمع النّاس من بعد عقودٍ الشيخَ الألباني رحمه الله يقول في حسن البنّا كلمةً، أراد أدعياءُ نفرٍ من اللائطين به ميناً، ورُخاءً سافهاً طَمْسَها وإنكارَها، ذلكم أنّ الإساءَة إليه أحبُّ إليهم واللهِ من الإحسان. فهل يكونُ للشيخ الألباني أن يذمَّ الشيخَ البنَّا رحمهما الله تعالى، على ما للبنَّا مِن فضل، وهل يَغْمُض فضلُ البنَّا على الألباني حتى إن سكوت الألباني عن مدح البنَّا، أو إمساكه عنه لَيُعدُّ ذنباً للألباني نفسه، من باب المقولة المتداولة المشهورة: (لا يَعرفُ الفضلَ لذوي الفضل إلا ذوو الفضل) فبئس واللهِ ما يريد أُولئك القوم لمن زعموه شيخهم، وجزى الله الشيخَ الألباني خيراً بثنائه على الشيخ البنَّا بما صنع للأُمة إذ يقول:
«نحن دائماً نتحدَّث بالنسبة لحسن البنّا ـ رحمه الله ـ فأقول أمام إخواني السَّلفيين، وأمام جميع المسلمين: لو لم يكُنْ للشيخ حسن البنَّا رحمه الله من الفضل على الشباب المسلم سوى أنَّه أخرجهم من دور الملاهي والسينمات والمقاهي، وكتَّلهم وجمعَهم على دعوةٍ واحدة ـ ألا وهي دعوة الإسلام ـ لو لم يكن له من الفضل إلا هذا لكفاهُ فضلاً وشرَفاً، هذا نقوله معتقدين، لا مرائين ولا مداهنين».
(4)
لا أَحسبُ إلا أنَّ الشيخَ الألباني رحمه الله صادقٌ في قوله وثنائه على الشيخ البنَّا رحمه الله، فهل تبلغ القحَّة بأولئك أن يدفنوا كلامَ الألباني هذا في ثنيات كذبهم، وربَّما قالوا ـ ولسانُ الحال أبلغ من لسان المقال ـ: كذبَ واللهِ الألباني، ألا لعنة الله على الكاذبين.
ويقول الشيخ الألباني رحمه الله في موطنٍ آخر:
«كان الشيخ سيّد سابق ينشر مقالاتٍ له في فقه السُّنة في مجلة (الإخوان المسلمون) التي أصبحت بعد ذلك كتاباً يَنتفع به المسلمون، الذين يتبنَّون نهجنا من السَّير في الفقه الإسلامي على الكتاب والسُّنَّة، وكنتُ بدأْتُ في الاطّلاع عليها، وهي لَمَّا تُجمع في الكتاب، وبدَتْ لي بعضُ الملاحظات، فكتبتُ إلى المجلة هذه الملاحظات وطلبتُ منهم أن ينشروها، فتفضَّلوا، وليس هذا فقط، بل جاءَني كتاب تشجيع من الشيخ حسن البنَّا رحمه الله، وكم أنا آسف أنَّ هذا الكتاب ضاعَ منِّي ولا أدري أين بقي»، وهل يكون تعاونٌ على الخير بين اثنين خيراً وأحسن من مثل هذا التعاون؟
كأنِّي بأولئك النفر وقد تمعَّرَتْ وجوهُهم من مثل هذه الشهادة في حسن البنَّا، كأنَّما أُخذوا بها على حين غِرَّة، فارتابَتْ قلوبُهم، واقشعرَّتْ جلودُهم، وحاصوا حيصةَ الثعلب الكاسع، فإلى متى يبقى هؤلاء كَلاً على الأُمة؟ وإلى متى تبقى ألسنتُهم راغمةً على ذكر الألباني وهو في قبره رحمه الله؟ ما كان أبخله بالثناءِ على مَن يستحقّ الثناءَ، وكانت فيه طبعاً لا يُلام فيه!
(5)
ولعلَّ مما يَحسُنُ إيرادُه كلاماً قاله واحدٌ من جلَّة أهل العلم، ومن كبار الدعاة في الجزيرة؛ هو الشيخ عبدالله بن جبرين؛ حيث يقول:
«إنَّ سيِّد قطب وحسن البنَّا مِن علماء المسلمين، ومن أهل الدعوة، وقد نصرَ اللهُ بهما، وهَدَى بدعوتهما خلقاً كثيراً، ولهما جهودٌ لا تُنكَر، ولأجل ذلك شفعَ الشيخ عبدالعزيز بن باز في سيِّد قطب عندما قُرِّرَ عليه القتل، وتلطَّفَ في الشفاعة، فلم يقبَلْ شفاعتَه الرئيسُ جمال، عليه من الله ما يستحقّ، ولَمَّا قُتلَ كلٌّ منهما أَطلقَ على كلِّ واحدٍ أنَّه شهيد لأنَّه قُتل ظلماً، وشهدَ بذلك الخاصُّ والعام، ثمَّ تلقَّى العلماءُ كتبَهما بدون إنكار، ونفعَ اللهُ بهما، ولم يطعَنْ أحدٌ فيهما منذ أكثر من عشرين عاماً، وإذا وقع منهما أخطاء يسيرة في التأويل أو نحوه، فلا يصل إلى حدِّ التكفير، فإنَّ العلماء الأولين لهم مثل ذلك، كالنووي، والسيوطي، وابن الجوزي، وابن عطيَّة، والخطابي، والقسطلاني، وأمثالهم كثير. وقد قرأتُ ما كتبه الشيخ ربيع المدخلي في الردِّ على سيد قطب، ورأيتُه جعل العناوين لما ليس بحقيقة، فردَّ عليه الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله».
(6)
وقد يخالط ظنُّ السُّوء قلوبَ بعض مَن يريد الإساءَة للشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله، مِن بعض كلامٍ للشيخ الألباني رحمه الله قاله في الشيخ حسن البنَّا، فيه بعضُ نقصٍ أو زيادةٍ على الكلام الذي ذكرتُه آنفاً من كلام الشيخ ناصر رحمه الله في الشيخ البنَّا، وذلك شيءٌ لا يقدِّم ولا يؤخِّر في هذا الأمر، فإنْ كان يكونُ من تضادٍّ أو تنافرٍ بين الكلامين أو الموضعين، فهو ـ كما يُقال في العلم ـ مِن باب تنوع الاختلاف؛ لا يعدوه.
قال رحمه الله:
«إنصافاً أقولُ في حقِّ الشيخ حسن البنَّا رحمه الله وغفرَ لنا وله: له جهدٌ مشكورٌ في تكتيل الشباب الضائع هناك في مصر حول الدعوة الإسلامية، وإخراجهم من بعض الظُّلمات إلى بعض النُّور، هذا ما لا ينبغي كتمانه، لأنَّه لا يخالفُنا في منهجنا الذي لا ينبغي لأيِّ مسلم كتمانُه، سواءٌ أكان عالماً أو طالب علم أو كان من عامَّة المسلمين، كلٌّ حسبَ علمه وجهله، وإنّ الأصل كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بعض كتبه: (إنَّ الإيمان يكفي أن يكون إيماناً مطلقاً)، والنَّاس في هذا المجال يختلفون ما بين عالم، وطالب علم، وعامة المسلمين، فهؤلاء العامَّة عليهم أن يؤمنوا إيماناً إجمالاً، ثم فوقهم طلبة العلم، لا بدَّ أن يكون إيمانهم فيه شيءٌ من التفصيل، ثمَّ العلماء يزدادون علماً وتفصيلاً.
هكذا أنا أقول بالنسبة لدعوة حسن البنَّا، فهو له الفضل، فنحن نشكره في هذا الجانب، لكنَّنا نأخذُ عليه أنَّه لم يكن كما أعلنَ في دعوته المتناقضة (دعوة صوفية سلفية) فهما نقيضان لا يجتمعان مهما حاول البعضُ أن يسبغَ على كلمة صوفية، لا يوجد هناك صوفية معتدلة، أي موافقة للكتاب والسنة، لكن بلا شك، أنَّ الصوفية تختلف من أُناسٍ إلى آخرين، ومن باب: حنانيك بعض الشرِّ أهون من بعض، إذ إنَّنا نأخذُ عليه أنه لم يكن على علمٍ بهذه الدعوة، وبعض كتاباته في بعض رسائله التي يتكلَّم فيها عن بعض ما يتعلَّق بالصِّفات الإلهيَّة، ويصرِّح فيها بالتفويض، ونحن لا نؤاخذ الإنسان إذا كان من عامَّة النَّاس، أو كان من طلاب العلم، ولم يكن من أهل العلم والعلماء، لكنَّنا نؤاخذ النَّاسَ الذي يتعصَّبون تعصُّباً أعمى ويجعلونه مجدِّداً، ونأخذ على أتباعه أشدَّ ما يؤخذ عليه هو، لأنه هو شخص فرد، ولا يكلِّفُ اللهُ نفساً إلا وسعها، فإذا كان قد توجَّه إلى تكتيل هؤلاء الشباب، وإخراجهم من الملاهي والسينمات والمقاهي ونحو ذلك؛ هذا بلا شك عملٌ مشكور، ويُثاب عليه إن شاء الله تعالى» انتهى كلام الألباني.
ولستُ أدري ماذا يقول الشيخ ناصر رحمه الله في الجيلاني، والداراني، والجنيد، وأمثال هؤلاء العارفين الذين حازوا من ثناءِ ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ما حازوا، وهم أساطين التصوُّف، الذي كان الشيخ ناصر يتمنَّى أن يكون للسَّلفيِّين مثل أدبهم، وأخلاقهم، وتقواهم!
(7)
ولا يسعُني هنا إلا أن أشير إلى بعض الهنات التي وقعَ فيها ـ ولا شكَّ ـ الشيخ الألباني رحمه الله، مع بيان وجه الحقِّ فيها، فأقول ـ وكفى المرءَ نُبلاً أن تُعَدَّ معايبه:
أولاً: كأنَّ الشيخ ناصر رحمه الله كانَ وهو ينفي وجودَ صوفيَّة معتدلة، نسيَ ما كان يقوله في كثيرٍ من مجالسه: ما أحوجَ السَّلفيِّين إلى أخلاق الصُّوفيَّة في علاقاتهم وسلوكهم مع شيوخهم، وأدبهم مع رؤُوسهم وأساتذتهم، ومع بعضهم البعض. وهذا من عدلٍ فيه وإنصاف، ولو رأى الشيخ ناصر في قبره ما أحدثَ الغلاةُ فيه من بعد موته من ارتيادِ بُؤَرِ النِّفاق، والتكسُّب الحرام، والطعن في الأعراض، وانتهاب الحرُمات، وقلَّة الأدب، وذهاب الحياء، والغلظة والتهاجر، وتقطيع المودَّات، والسَّعي بالإفساد والنميمة، والتنزُّه من مكارم الأخلاق... إلى غير ذلك مما يُسخطُ أهلَ الخير، ويُفرح أهل الشر.
أقول: لو رأى الشيخُ ناصر ما أحدثَ أتباعه الأدعياء لتمنَّى أن لم يكن عرفَ الأُردن، فتبقى سيرته من بعد موته نقيَّة سالمة، والإنسان لا يؤاخَذ بنسيانه، والرسول صلوات الله وسلامه عليه يقول: «إنَّ اللهَ تجاوز لي عن أُمتي الخطأ والنسيان...» الحديث.
ثانياً: أما قوله، إن الشيخ حسن البنا كان مفوِّضاً في الصِّفات. فما ينبغي أن نذهب بعيداً في الدفاع عن حسن البنَّا، وأن نلتمسَ له الأعذار المتكلَّفة، إذ الأمر أيسر من ذلك، فأقول: وماذا يعيبُ القائلين بالتفويض، إلا أن يكون عيباً مصنوعاً أُسيءَ به إلى اللَّفظ نفسه الذي لم يكن يُعنَى به أولاً إلا ما يعرف من المذهب الذي صارَ يُعرَف بمذهب السَّلف، ولتوضيح هذا المصطلح ـ أي التفويض ـ أقول:
هل عُرِفَ هذا المصطلح في العهد الأول، عهد الصحابة، بحروفه، فكانوا يطلقونه على مَن يسكتُ عن التحدُّث في أسماء الله وصفاته ـ ولم يكونوا يَسألونَ ولا يُسألون عن معنى اليد، والعين، والساق، والغضب، والرضا... إلى غير ذلك ـ، هل جرى ذكرُ هذا المصطلح على لسان أبي بكر وعمر وغيرهما من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولو أنَّه جرى على ألسنتهم، لكانوا قد تلقَّوه، وأخذوه عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وليس يخفى أنَّ هذا المصطلح لم يجرِ له ذكرٌ على لسانه، فأَولَى إذاً أن لا يكون جرى على ألسنة أصحابه. بل إنه لم يُذكر في القرآن إلا مرَّة واحدة في آية من سورة غافر: (وأُفوِّضُ أمري إلى الله)، ومعناه: ألجأُ إليه، وأعتصم، وأُلقي بأُموري كلِّها لديه، في صالح أمري، ودفع الضّر الذي يقع عليَّ منكم.
ومصطلحُ التفويض الذي صارَ ذائعاً يعني: ترك المعنى المراد في آيات الصفات لله وحده، فهو الأعلم بذاته من خلقه، ومثل الذات في هذا الصفات، فهو الأعلم بصفاته كلِّها، وليس للخلق أن يتصوَّروها على حقيقتها، وإن كان المعنى اللّغوي ـ لكلِّ حرفٍ في لغة العرب مفرداً كان أم مجتمعاً مع غيره، أم كان مسنداً إلى الله، أم غير مُسْندٍ إليه ـ ليس يخفى على أهل اللِّسان العربي المعنى اليُراد في لغة العرب، على أوضح حرفٍ وأيسره، وأحله.
وما لَنا نبعدُ النجعة، نتلمَّسُ هذا المعنى بعيداً، أفليس في كلمة الإمام مالك رحمه الله ما يُغنينا وزيادة، وهي تُعَدُّ أصلاً في علم التوحيد الذي صارَ إليه علماء السَّلَف، في الوقت الذي اصطلمَتْ فيه فتنة الاختلاف بين الفرق الإسلامية، وغدَتْ فيه على حران الأهواء والتنازع والعداوة والبغضاء، تلكم هي؛ وقد سُئل عن معنى الاستواء، فقال رحمه الله: «الاستواءُ معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسُّؤال عنه بدعة»، كلمة شافيةٌ، كافيةٌ، مختصرةٌ وافية، كأنَّما تَنَزَّلَ بها الوحيُ على المنزَّل عليه، فالاستواءُ معروفٌ في لغة العرب، واستواءُ الله على عرشه لا تُعرَفُ له كيفيَّة، فهو من صفات الله المجهولة التي لا يمكن وصفُها، ولو عُرِفَتْ صفةُ الاستواء هذه لَعُرفَتْ ذاته، ولاستبانَتْ لهم سائرُ صفاته، ولو شاء الله لقرَّبَ الأمرَ للنَّاس على وجهٍ لا يستحيل عليهم إدراكه، إذاً فقوله رحمه الله: (الكيف مجهول) هل يعني إلا صرفَ القلوب عن مُراد الله في كيفيّة الاستواء، وتفويض معرفته إليه وحده سبحانه، ويَبقى الاستواءُ أمراً مغيَّباً مجهولاً للبشر كافّة، لا يُعلم إلا حين يكشف اللهُ سبحانه عن ذاته فيكون هو أحسن الجزاء من الله لمستحقّه؟ وهل التفويض إلا ذلك؟، وإذا لم يكن التفويض إلا هذا، فماذا يكون إذاً؟ بل هل يجرؤ أحدٌ أن يقول في التفويض غير هذا؟ وهل يصلحُ القولُ في التفويض بغير هذا؟ عرفَ ذلك مَن عرفه، وجهله مَن جهله، فإقرار الشيخ الألباني رحمه الله، وقوله: إنَّ الشيخَ حسن البنّا مفوِّضٌ في الأسماء والصفات؛ هل هو إلا اعترافٌ منه بصواب معتقد البنّا، وأنَّه لا يحور عنه، وأنَّه موافقٌ له فيه، فكان من حقِّ البنَّا على الألباني أن يقول بصراحته المعهودة: إنّني والبنّا في العقيدة على منهجٍ واحدٍ، ولا خلافَ بيني وبينه فيه، وإنّني لفي عجب لا ينتهي، وأنا أرى موطن الاتفاق يصير عند جماهير المسلمين موطناً للاختلاف فيما بينهم، وما أحسن كلام الإمام الشافعي إذ يقول: «نؤمن بكلام الله سبحانه على مراد الله، كما أثبت ما أثبته لنفسه أو أثبت له رسوله، وننفي عنه ما نفى عن نفسه أو نفى عنه رسوله على مراد الله سبحانه»، وإذا كان الشافعي يُعَدُّ بقوله مفوضاً فنعم ما قال، وهو بقوله هذا يُشبه قوله الذي اتُّهم فيه بالرفض إذ يقول:
إنْ كان رَفْضاً حبُّ آل محمدٍ ... فَلْيَشْهَد الثقلان أنّي رافضي
وأحسبُ البنّا رحمه الله لو قال غير الذي قاله فيه الألباني رحمه الله لكان ليس على صوابٍ فيما قال، وقوله رحمه الله: (لنتعاون فيما اتّفقنا عليه، ولْيَعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه) وهي مقولة شُهرَتْ عنه رحمه الله، لا أحسبه إلا أنه على صواب فيما قال، وذلك لأمرين، الأول: أن الاتّفاق ولا بدَّ خيرٌ من الافتراق، وأنّ التفويض -على ما بيَّنت- خيرٌ ألف مرة ومرة من أن تبقى الأمّة على فساد الفرقة، وقد جَرَت القرون المتطاولة عند كثير من المسلمين أنّ التفويض من العقائد الباطلة، فهلاّ نظرَ المختلفون الذامُّون هذه العقيدة نظر المتدبِّر الرشيد، ليعلم أنّ التفويض على نحو ما فهمَه الإمام مالك والإمام الشافعي رحمهما الله ومَن معهما، هو الذي يذهب بالخلاف كلّه بين المسلمين ويؤلِّف بينهم، وأنّ كلمة الشيخ البنّا رحمه الله (فلنتعاون... وليعذر) كلمة مضيئة رشيدة، تستوجب إعادة النّظر في فهمها، وأنّها أقرب سبيل لإنهاء الخلاف الناجم بين جماعات الأمة وعلمائها، وحتى الأشاعرة والمعتزلة.
وإنّ عجبي لا ينتهي، وأنا أَبصر بالخلافات الجمَّة، المترعة بالعداوة والبغضاء بين السواد الأعظم ممن يدَّعون أنّهم على منهجٍ واحدٍ في العقيدة، وكلٌّ منهم يرمي الآخر بالويل، والثبور، والعيش بين القبور، ويحسبون أنّهم على شيءٍ مما هم عليه وفيه، وهم من هذه العقيدة التي يدَّعون على براء، حتى لو أنه قيل: إنّ كلّ واحد منهم له عقيدة خاصّة به لكان صدقاً وحقّاً، وأذكر أنّه لما بدا لواحدٍ أن يقول بمصطلح جديد في التوحيد، هو: توحيد الحاكمية، قامَتْ قيامة القوم عليه، ولم تقعد، ورُمي بكلِّ مؤثِّمة من القول وزور، فلماذا حصاد التفريق هذا، فهنا لونٌ أحمر لا يقبل، لأنّه قادمٌ من الشرق، واللّون الأحمر القادم من الغرب يُقبل، لأنّه قادمٌ من الغرب، وهو لونٌ واحد؟ يا سبحان الله! لِمَ هذا التفريق؟ واللّون هو الأحمر هنا وهناك.
ولقد علمنا أنّ سيرة الشيخ البنّا رحمه الله، كانت -بأسلوبه وجهاده- سيرة توحُّدٍ، وتوحيد، أنشأَ بها أجيالاً، وأعلى مناراً، فجزاه الله خيراً، ورحم اللهُ الشيخ الألباني على نَصَفته وعدله فيما قال، وكم كانت من حجّة ـ تدحض تخرُّصات الذين دأْبُهم الذّمُّ والإغراق في العُجْب، والقعود أمام نُصُبِ التأْليه، ونسج ثياب العصمة المصلحيّة الكالحة ـ لو أنّ رسالة الشيخ البنّا رحمه الله بقيَتْ تحت يد الشيخ ناصر رحمه الله، لكانت أخرسَتْ ألسناً، وأطبقَتْ أفواهاً، وعلموا أنه لو عاش البنّا رحمه الله، والتقى الألباني لتعاهدا أن يعضد أحدُهما الآخر، ويسيرا معاً في طريق الدعوة.
وأمّا ثالثاً: فإنّ الشيخ ناصر رحمه الله حاول أن يغضَّ من دعوى أنّ الشيخ البنّا مجدّدٌ، فلا أدري لماذا هذا، وكلامُ الشيخ ناصر رحمه الله كلُّه، بخوافيه وقوادمه يثبت هذه الدعوى، أليس هو القائل: (إنه أخرجَ الشباب من بعض الظلمات إلى بعض النّور)، وهل كان البنّا رحمه الله إلا قافياً أثر محمد عليه الصلاة والسلام في ما وصفَه به الشيخ ناصر، وإذا لم يكن المُخْرِجُ النّاسَ من الظلمات إلى النّور ليس مجدداً فمَن المجدّد إذاً؟
أليس الشيخ ناصر رحمه الله في صناعة السُّنة، وإخراجه العشرات من الكتب والرسائل الحديثيّة، ومَيْزه بين الصحيح وبين الضعيف من النصوص النبويّة، والآثار السَّلفيَّة التي ملأت أرضَ القرون الأولى، فكان منها ومنها، فكان توفيقاً من الله له بكلّ ما صنع، أفليس يُعَدُّ بهذا مجدّداً؟ وكيف يمكن أن يُقال: إنّ الشيخ البنّا ليس مجدّداً، وقد أخرج الشباب من الظلمات، وأحدثَ فيهم نهضةً علميّةً عالية الشأن، وكان إجماعاً من أهل العلم، والفكر، والدعوة، أنّه صاحب منهجٍ إصلاحيٍّ، مؤسَّسٍ على الحقّ والهدى، والمصابرة، والتربية البصيرة.
وإذا كان مِن مخالفاتٍ أو أخطاء وقعَتْ في سيرة دعوة البنّا في حياته، ومِن بعد موته بين ظهراني أتباعه وتلاميذه ومريديه، فإنّ الخطأ والخطيئة، لا يمكن أن تكون سلامة للبشر منها، وقد كان من هذا حتى بين حواريِّي الأنبياء العظماء وأصحاب الرسل الحذّاق الألبَّاء.
وأخيراً، فإنّي ناصحٌ الطاعنينَ على الشيخ البنّا أن يصمتوا؛ فالصمتُ خير، وأن يَدْعوا له وللشيخ الألباني معاً، فإنْ كان الألباني رحمه الله قد كانت منه زلّة بكلمة، فليس من حقِّنا أن نحاسبَه عليها من بعد موته، ولا أَحسبه قالها إلا من غيرةٍ على الإسلام الذي تعبَ فيه، ودعا إليه، وجمعَ عليه النّاسَ الألبانيُّ والبنّا، فإن كان لمن بعدهما من نفعٍ يُرتجَى بدينٍ مبين، وخلُقٍ متين، فلتكُنْ في سيرتهما كليهما رَجْوةٌ من عافيةِ تقوى، ولِمَّةٌ من هدى، وأخذٌ بطرفٍ من سيرة كلٍّ منهما، ولندَعْ المحاذرة من أيِّهما، والمفاخرة من غير عملٍ صالح يلتمس منهما، والاختلاف على ما لا ينبغي الاختلاف عليه، وأعداءُ الأُمة لا يعرفون الشفقة عليها، ولا التفريق في بأسهم، وشدّتهم، وإيقاع الذلّ والأذى فيها بين طائفة وأُخرى، فقد استباحوا بيضتها، وهصروا خاصرتها، وخضدوا شوكتها، واستاقوها إلى حمأة الهوان والصَّغار، وأوضعوا خلالها يبغونها الفتنة في دينها، ومالها، وحياتها كلّها، ولا واللهِ ليس لها نجاةٌ مما هي فيه إلا أن تعرفَ الطريق إلى ربّها، من غير أناةٍ ولا تَخَيُّرٍ لأمرٍ دون أمر.
وبعدُ: أفلم يأْنِ للجماعات الإسلاميّة أن تعقلَ أمرَها على الوجه الْيَرتضيه ربُّها سبحانه، فتدَع الفرقة إلى أُلفة، والتخاصم إلى وداد، والكراهية إلى حبّ، والاستكبار إلى تواضع، والتنافر إلى تلاقٍ، فتفوز بخيري الدنيا والآخرة؟.
المصدر:جريدة السبيل الأردنية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
البتار الشامي
مدير الموقع
مدير الموقع
avatar

عدد الرسائل : 2488
العمر : 36
السٌّمعَة : 2
نقاط : 963
تاريخ التسجيل : 24/08/2008

مُساهمةموضوع: رد: البنا والألبانى   الجمعة أكتوبر 02, 2009 1:39 pm

جزاك الله خيرا على الموضوع
مع أني أرى اختلافا اساسيا بين منهج الشيخين والله اعلم

_________________





كتاب يهدي ... وسيف ينصر






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://abualfida.ahlamontada.net
 
البنا والألبانى
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البتار الشامي :: المنتدى العام :: العام-
انتقل الى: